الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

357

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

ومجيء عَلى بمعنى ( مع ) ناشئ عن تمجز في الاستعلاء ، وصورته أن مجرور حرف عَلى في مثله أفضل من معمول متعلقها فنزل منزلة المعتلي عليه . والمسكين : المحتاج . واليتيم : فاقد الأب وهو مظنة الحاجة لأن أحوال العرب كانت قائمة على اكتساب الأب للعائلة بكدحه فإذا فقد الأب تعرضت العائلة للخصاصة . وأما الأسير فإذ قد كانت السورة كلها مكية قبل عزّة المسلمين ، فالمراد بالأسير العبد من المسلمين إذ كان المشركون قد أجاعوا عبيدهم الذين أسلموا مثل بلال وعمار وأمه وربما سيّبوا بعضهم إذا أضجرهم تعذيبهم وتركوهم بلا نفقة . والعبودية تنشأ من الأسر فالعبد أسير ولذلك يقال له العاني أيضا قال النبي صلى اللّه عليه وسلم : « فكّوا العاني » و قال عن النساء « إنهن عوان عندكم » على طريقة التشبيه وقال سحيم عبد بني الحسحاس : رأت قتبا رثّا وسحق عمامة * وأسود همّا ينكر الناس عانيا يريد عبدا . وذكر القرطبي عن الثعلبي : قال أبو سعيد الخدري « قرأ رسول اللّه : وَيُطْعِمُونَ الطَّعامَ عَلى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً فقال : المسكين الفقير ، واليتيم : الذي لا أب له ، والأسير : المملوك والمسجون » . ولم أقف على سند هذا الحديث . وبهذا تعلم أن لا شاهد في هذه الآية لجعل السورة نزلت بالمدينة وفي الأسارى الذين كانوا في أسر المسلمين في غزوة بدر . وجملة إِنَّما نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ إلى آخرها مقول قول محذوف تقديره : يقولون لهم ، أي للذين يطعمونهم فهو في موضع الحال من ضمير يُطْعِمُونَ ، وجملة : لا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزاءً وَلا شُكُوراً مبينة لمضمون جملة انما نطعمكم لوجه الله . وجملة انا نخاف من ربنا إلى آخرها واقعة موقع التعليل لمضمون جملة لا نريد منكم جزاء ولا شكورا . والمعنى : إنهم يقولون ذلك لهم تأنيسا لهم ودفعا لانكسار النفس الحاصل عند الإطعام ، أي ما نطعمكم إلّا استجابة لما أمر اللّه ، فالمطعم لهم هو اللّه . فالقول قول باللسان ، وهم ما يقولونه إلّا وهو مضمر في نفوسهم . وعن مجاهد أنه قال : ما تكلموا به ولكن علمه اللّه فأثنى به عليهم .